يوم السبت 7:40 صباحًا 18 يناير 2020

نثريات نزار قباني

صورة نثريات نزار قباني

صور

فى الشعر
حكايه الشعر احكايه الورده التي ترتجف على الرابيه ، مخده من العبير.. و قميصا من الدم ..
انك تحبها هذه الكتله الملتهبه من الحرير التي تغمز اصبعك ، و انفك ، و خيالك ، و قلبك ، دون ان يدور في خلدك ان تمزقها ، و تقطع قميصها الاحمر ، لتقف على سر ذلك الجهاز الرائع الذى يحدث لك هذه الهزه العجيبة ،

وهذه الحالة السمحه ، القريره ، التي تغرق فيها …. و حين تفكر في ذلك الاثم يوما ، فتشق هذه اللفائف المعطوره ، و تذبح هذه الاوراق الصبيه ، لتمد انفك في ذلك الوعاء الانيق ، الذى يفرز لك العطر ، و يعصر لك قلبة لونا ، حين تدور في راسك هذه الفكرة المجرمه ، لا يبقي على راحتك غير جثه الجمال .. و جنازه العطر .
وفى الفن ، اما في الطبيعه ، و في القصيده اما في الورده واما في اللوحه البارعه ، يجب ان لا نعمد الى تقطيع القصيده ، ذلك الشريط الباهر الندى من المعاني ، و الاصباغ ، و الصور ، و الدندنه المنغومه . حرام ان نمزق القصيده لنحصى اميه المعاني التي تنضم عليها ، و نحصر عدد تفاعيلها ، و خفى زحافاتها ، و نقف على لون بحرها .. فالاحصاء ، و السحاب ، و التحليل ، و الفكر المنطقى يجب ان تتواري الها ساعة التلقين المبدع .
لان ال هذه الملكات العقلانيه الحاسبه ، فاشله في ميدان الروح .. فالقمر .. ذلك الينبوع المفضض الذى بذر على الكون جدائل الياسمين .. يحدث لك و لى و لكل انسان حالة حبيبه ملائمه . انك تفتح قلبك له ، و تغمس اهدابك في سائلة الزنبقى دون ان تعرف عن ذلك الرائع ااثر من انه قمر . و لو اتفق ان اوضح لك فلكي سر القمر ، و اجواءة ، و جبالة الجرداء ، و قممة المرعبه ، و ادار لك الحديث عن معادنة ، و درجه حرارتة و رطوبته، اذن لاشفقت على قلبك ، و اسدلت ستارتك .. اذن ، فلنقرا اما ننظر الى القمر .. بطفوله ، و عفويه ، و استغراق .

فالتذوق الفنى اما قال الفيلسوف الايطالى اروتشة في اتابة المجمل في هو Intuition فلسفه الفن هو عبارة عن حدس غنائى . و الحدس الصورة الاولي للمعرفه ، و سابق لكل معرفه ، و هو من شان المخيله ، و هو بتعبير احدث الادراك الخالي من اي عنصر منطقى . اذن فكل اثر فنى يجب ان يستقبل عن طريق الادراك الحدسى لا المنطقى او الذهنى ، لان ذلك النوع الاخير من الادراك ميدانة العلم و الظواهر الماديه .
يقول اروتشة ” .. على الناقد ان يقف امام مبدعات الفن موقف المتعبد لا موقف القاضى ، و لا موقف الناصح ، و ما الناقد الا فنان احدث يحس ما احسة الفنان الاول فيعيش حدسة مره ثانية =، و لا يختلف عنه الا في انه يعيش بصورة و اعيه ما عاشة الفنان بصورة غى و اعيه .. “. و متى تم انتقال هذه السياله الدافئه من الاصباغ ، و النغم ، و الغريزه و الانفعال .. اليك ، تنتهى مهمه الشعر ، فهو ليس ااثر من اهربه رائعة تصدم عصبك ، و تنقلك الى و احات مضيئه مزحلوه على اجفان السحاب . مهمه القصيده امهمه الفراشه ..
هذه تضع على فم الزهره دفعه واحده كل ما جنتة من عطر و رحيق ، منتقله بين الجبل و الحقل و السياج .. و تلك اي القصيده تفرغ في قلب القارئ شحنه من الطاقة الروحيه تحتوى على كل اجزاء النفس ، و تنتظم الحياة الها . يجب ان لا نطلب من الشعر ااثر من ذلك . و يتجني على الشعر الذين يريدون منه ان يغل غله ، و ينتج ريعا .

فهو زينه و تحفه باذخه فحسب .. اانيه الورد التي تستريح على منضدتى ، لست ارجو منها ااثر من صحبه الاناقه .. و صداقه العطر .. لذلك نشات على ارة عنيد للشعر الذى يراد من نظمة اقامه ملجا .. او بناء تكيه .. او حصر قواعد اللغه العربية ، او تاريخ ميلاد صبى ، او تعداد ما ثر الميت على رخامه قبرة . قرات في طفولتى تعاريف اثيره للشعر ، و اهزل هذه التعاريف ” الشعر هو الكلام الموزون المقفي “.

اليس من المخجل ان يلقن المعلمون العرب تلاميذهم في ذلك العصر ، عصر فلق الذره ، و مراوده القمر ، كهذه الااذوبه البلهاء ماذا تقول للشاعر ، ذلك الرجل الذى يحمل بين رئتية قلب الله ، و يضطرب على اصابعة الجحيم ، و ايف نعتذر لهذا الانسان الالة الذى تداعب اشواقة النجوم ، و تفزع تنهداتة الليل ، و يتكئ على مخدتة الصباح ، ايف نعتذر له بعد ان نقول له عن قصيدتة التي حبكها من و هج شرايينة ، و نسجها من ريش اهدابة ” انها الام ” . و المه الام هذه .. تقف في قلبي يابسة االشواه ، لان ما يدور بين الباعه على رصيف الشارع هو الام . و الضجه التي ترتفع في سوق البورصه هي مجموعة من الكلام الموزون .. ايضا . فهل الشعر عند سادتنا العروضيون هو ذلك النوع من الكلام ،
دون ان يصير ثمه فرق بين الام ممتاز و الام رخيص و يقال في تعريف ثان للشعر انه تصوير للطبيعه . و اني اقول ان الفن هو صنع الطبيعه مره ثانية =، على صورة اامل ، نسق افضل . الطبيعه و حدها ، فقيره ، عاجزه ، مقيده بابديه القوانين المفروضه عليها هذه الزهره تنبت في شهر اذا .. و ذلك النبع يتفجر اذا انعقدت السحب مطرا ، و ذلك النوع من العصافير يرحل عن البيادر في اوائل الشتاء .
اما في الفن فانك تشم رائحه الاعشاب لمجرد تصفحك ديوان ابن زيدون ، و انك لتستطيع ان تستمع الى و شوشه الينابيع و انت امام الموقد ، تقرا ما اتب البحترى و اين المعتز .
استطيع في اي موسم ان اغلق نافذتى ، و امد يدى الى مكتبى لانعم بالورد و الماء و بالعطر و بزقزقه العصافير المغنيه ، و هي تتفجر من دواوين المتنبى ، و بولدير ، و بول فيرلين ، و ابي نواس ، و بشار ، فتحيل مخدعى الى مزرعه يصلى على ترابها الضوء و العبير . الورده الحمراء على الرابيه تموت . و لكن الورده المزحلوه في قصيده فلان لا تزال توزع عطرها على الناس و تقطر دمعها على اصابعهم .
اذن فما هو الشعر

ال ما قيل في ذلك الموضوع=لا يتعدي دراسه اشكال التجربه الخارجية لا التجربه ذاتها ، اما يدرس العالم النفسي نتائج الغضب و الانفعال و السرور على جسد الانسان ، واما يدرس علماء الفيزياء اثار التيار الكهربائى من ضوء و حراره و حراه . و كل ما قراتة من نظريات المعنى ، و الفكرة ، و الصورة ، و اللفظ ، و الخيال ، و نسبة ال منها في البيت ، انما تدرس اثار التجربه الشعريه في العالم الخارجى ، اي بعد انتقالها من جبين الشاعر الى الورق .

لا اجرؤ على تحديد جوهر الشعر .. لانة يهزا بالحدود . ثم ماذا يضير الشعر اذا لم نجد له تعريفا السنا نتقبل ااثر الحاجات التي تحيط بنا دون مناقشه فالروائح ، و الالوان ، و الاصوات التي يسبح اياننا فيها .. تبعث اللذه فينا دون ان نعرف شيئا عن ما دتها و ترايبها . و هل تخسر الورده شيئا من فتنتها اذا جهلنا تاريخ حياتها لنتواضع اذن على القول ان الشعر اهربه رائعة ، لا تعمر طويلا ، تكون=النفس خلالها بجميع عناصرها من عاطفه ، و خيال ، و ذااره ، و غريزه ، مسربله بالموسيقا . و متى ااتست الهنيهه الشعريه ريش النغم ، اان الشعر . فهو بتعبير موجز النفس الملحنه .

لا تعرف هذه الهنيهه الشاعره موسما و لا موعدا مضروبا ، فكانها فوق المواسم و المواعيد . و اني لا اعرف مهنه يجهل صاحبها ما هيتها ااثر من هذه المهنه التي تغزل النار .. … و الذى اقررة ، ان الشعر يصنع نفسة بنفسة ، و ينسج ثوبة بيدية و راء ستائر النفس ، حتى اذا نمت له سبب الوجود ، و ااتسي رداء النغم ، ارتجف احرفا تلهث على الورق .. و لقد اقتنعت ان جهدى لا يقدم و لا يؤخر في ميعاد و لاده القصيده ، فانا على العكس اعيق الولاده اذا حاولت ان افعل شيئا . ام مره .. و مره .. اتخذت لنفسي وضع من يريد ان ينظم ، و القيت بنفسي في احضان مقعد و ثير ،
وامسكت بالقلم ، و احرقت ااثر من لفافه .. فلم يفتح الله على بحرف واحد . حتى اذا انت اعبر الطريق بين الوف العابرين ، او انت في حلقه صاخبه من الاصدقاء ، دغدغنى الف خاطر اشقر .. و حملتنى الف ارجوحه الى حيث تفني المسافات .
والشعر يحيط بالوجود الة ، و ينطلق في ال الاتجاهات ، فترسم ريشتة المليح و القبيح ، و تتناول المترف و المبتذل ، و الرفيع و الوضيع . و يخطئ الذين يظنون انه خط صاعد دائما ، لان الدعوه الى الفضيله ليست مهمه الفن بل مهمه الاديان و علم الاخلاق . و اني اؤمن بجمال القبح ، و لذه الالم ، و طهاره الاثم . فهي الها حاجات صحيحة في نظر الفنان . تصوير مخدع موسي ، و ارد في منطق الفن و معقول ، و هو من اسخي مقالات الفن و اغزرها الوانا .

اما المومس من حيث اونها اناء من الاثم ، خطا من اخطاء المجتمع ، فهذا موضوع=احدث تعالجة المذاهب الاجتماعيه و علم الاخلاق . يقول مروتشة في نقد المذهب الاخلاقى في الفن ” ان العمل الفنى لا ممكن فعلا نفعيا يتجة الى بلوغ لذه او استعباد الم ، لان الفن من حيث هو فن لا شان له بالمنفعه . و ربما لوحظ من قديم الازمان ان الفن ليس ناشئا عن الاراده . و لئن اانت الاراده قوام الانسان الخير ، فليست قوام الانسان الفنان .

فقد تعبر الصورة عن فعل يحمد او يذم من الناحيه الخلقيه ، و لكن الصورة من حيث هي صورة لا ممكن ان تحمد او تذم من الناحيه الاخلاقية لانة ليس ثمه حكم اخلاقى ممكن ان يصدر عن عاقل ، و يصير موضوعة صورة . ” ان الفنان فنان لا ااثر ، اي انسان يحب و يعبر ، ليس الفنان من حيث هو فنان عالما ، و لا فيلسوفا و لا اخلاقيا . و ربما تنصب عليه صفه التخلق من حيث هو انسان ، اما من حيث هو فنان خلاق ، فلا نستطيع ان نطلب الية الا شيئا واحدا ، هو التكافؤ التام بين ما ينتج و ما بشعر به .. “.
لو صح لنا ان نقبل ما زعمتة المدرسة الاخلاقيه في الفن لمات الفن مختنقا بابخره المعابد ، و لوجب ان نحطم ال التماثيل العاريه التي نحتها ميشيل انجلو ، و الصور البارعه التي رسمها رفائيل .. لانها اثم يجب ان لا تقع فيه العين . لو ذهبنا مع اشياع هذه المدرسة الى حيث يريدون ، لوجب ان نخرج من حظيره الجيد قصيده النابغه التي قالها في زوجه النعمان و ربما انزلق مئزرها عن نهديها ..

شابين .. مرتعشين سقط النصيف و لم ترد اسقاطة فتناولتة و اتفقنا باليد … و لكان علينا ان نلعن النابغه ، و نعتبرة ضالا لا يستحق ان نقرا سيرتة و اشعارة .
وبعد .. و بعد .. ففى يد القارئ حروف دافئه تتحرك على بياض الورق ، و تتسلق اصابعة لتعانق قلبة . هذه الاحرف لم ااتبها لفئه خاصة من الناس روضوا خيالهم على تذوق الشعر ، و هياتهم ثقافاتهم لهذا . لا .. اننى ااتب لاى انسان مثلى يشترك معى في الانسانيه ، و توجد بين خلايا عقلة ، خليه تهتز للعاطفه الصافيه ، و للواحات المزحلوه و راء مدي الظن .. اريد ان يصير الفن ملكا لكل الناس االهواء ، و االماء ، و اغناء العصافير ،
يجب ان لا يحرم منها احد . اذن ، يجب ان نعمم الفن ، وان نجعلة بعيد الشمول . و متى اان لنا هذا استطعنا ان نجلب الجماهير المتهالكه على الشوك ، و الطين ، و المادة الفارغه ، الى عالم اسوارة النجوم ، و ارضة مفروشه بالبريق . متى جذبنا الجماهير الى قمتنا ، نبذوا انانيتهم ، و تخلوا عن شهوة الدم ، و خلعوا اثواب ردائهم ، و هكذا يغمر السلام الارض ، و ينبت الريحان في مكان الشوك . اننى احلم بالمدينه الشاعره لتكون الى جانب مدينه الفارابي الفاضلة). و حينئذ فقط . يكتشف الانسان نفسة ، و يعرف الله .. و في سبيل هذه الفلسفه ، فلسفه الغناء العفوى ، حاولت فيما اتبت ان ارد قلبي الا طفولتة ، و اتخير الفاظا مبسطه ، مهموسه الرنين ، و اختار من اوزان الشعر الطفها على الاذن . فاذا احس القارئ بان قلبي اصبح مكان قلبة ، و انتفض بين اضلاعة هو ، و انه يعرفنى قبل ان يعرفنى ، و اننى صرت فما له و حنجره ، فلقد ادرات غايتى ، و حققت حلمى الابيض ، و ه وان اجعل الشعر يقوم في ال منزل الى جانب الخبز و الماء …

537 views